خليل الصفدي

166

أعيان العصر وأعوان النصر

وكان ذلك من مخيلة السوداء ، فساءت حاله وأضرّت به ، وأخذه الولع الزائد في هذه الكارة ، ويطلبها الناس منه ، فيقول : لو دفع لي فيها ألف دينار ما أبعتها ، وكان قد أتى إلى بعض الحكام ، وادّعى عنده وهو في هذه الحالة على التجار الذين أخذوا كتبه ، فقال له القاضي : يا شيخ علاء الدين ، قولك دعوى ، ألك بيّنة تشهد بذلك ؟ فقال له : كيف يكون لي بيّنة ، وقد صفعوك منها بمائتي مجلد - يعني دفعوها برطيلا ؟ ! فضحك القاضي والحاضرون منه . وعلّق عني أشياء من نظمي ، وعلّقت عنه ، وقال لي يوما : أنشدني هذين البيتين اللذين لك في الجناس ، وأنا قد حفظتهما ، ولكن أشتهي أسمعهما منك ؛ لأرويهما بالسماع ، فأنشدته لنفسي : ( الطويل ) أتاني كتاب فيه أنّ محبّتي * تلاشت كما قيلت أيّ تلاشي فيا قبح ما قد ضمّ جانب طرسه * فضائح واش في فضاء حواشي وكان إذا دفع إليه أحد شيئا من دراهم أو غيرها يقول : من أنت ؟ أظن عندك شيء من كتبي ، فأنت تبرطلني على ذلك ، ولا يقبل لأحد شيئا . وكنت أراه فأتألم لحاله ، وأتوجّع لما أصابه ، وكنت أخضع له وأتذلل ، وأعطيه شيئا قليلا من الدراهم ، فيقول : يا مولانا ، واللّه لا أريد شيئا من مالك ، فأقسم عليه ، وأقول : لا بد من ذلك ، فأنا محبك وراوية شعرك ، فيأخذ من عرض ذلك درهما واحدا ، ولا يزيد على ذلك ، فعله مرات . وكتب وهو في هذه الحالة قصة للأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي نظما ، نقلت ذلك من خطه ، وهي : ( الكامل ) يا نائب السّلطان لا تك غافلا * عن قتل قوم للظّواهر زوّقوا قوم لهم وقع ، وذكر في الورى * ويرى عليهم في المهابة رونق وإذا رأوا شيئا عليه تحيّلوا * في أخذه ، وتأوّلوا ، وتملّقوا ما هم تجّار بل لصوص كلّهم * فأمر بهم أن يقتلوا أو يشنقوا المين دأبهم إذا ما حدّثوا * ما فيهم من فيّ كلام يصدق كم أستغيث وكم أضجّ وأشتكي * منهم إليك ، وكم لقلبي أحرقوا سدّوا عليّ الطّرق بغيا منهم * أنّي اتّجهت ، وللأعادي أذلقوا وأتوا بمالي من لآمة طبعهم * نحو الشّآئم ، وبينهم قد مزّقوا وأراك لا تجدي إليك شكاية * إلا كأنّك حائط لا ينطق